الصوم !

الصوم

ليس قهرًا للجسد أو إهانةً للبشر. لا إنكارًا لنعمة الله في خلقه لنا أو للعالم أو استهتارًا بها.

إذن ما هو الصوم؟

الصوم قديمًا:

        إنّ فكرة الصوم، ليست وليدة ديانة ما، بل كانت تُمارس منذ القدم، بطرق مختلفة باختلاف العقائد... لقد عرف بعض القدماء الصوم، ومارسوه في عهود ما قبل المسيحية بأشكال وطرق متعدّدة، بحسب عقائدهم، دياناتهم وغاياتهم منه. لكنّ هذه الممارسة اقتصرت على القلّة، من الذين أرادوا أن يبحثوا عن سرّ وغاية وجودهم (من هو مصدر الوجود، وإلى أين بعد الموت) أمثال: زرادشت حوالي القرن 7 ق م، الذي رفض الذبائح الدموية، ودعا إلى العبادة الروحانيّة، التي تقدّس النار. وفيثاغورث بالقرن 6 ق م، الذي مثّل الموجودات بالأرقام، ودعا إلى وجود مصدر واحد للكون، وأنشأ مدرسة لتعليم فلسفته وديانته، التي انتسب إليها العديدون من الرجال والنساء ممن يمارسون الصوم، وينقطعون فيه عن اللحم، وذلك لأنّ فكرة التناسخ (عندما يموت الشخص، فإنّ روحه قد تأتي في إنسان أو حيوان)  التي يُرّجح أنّ الهند مصدرها. كانت مفهومًا إيمانيًا حسبَ ديانتهم السائدة في تلك الأيام، بالتالي يترتّب عليها عدم أكل اللحم، لأنّ روح هذا الحيوان، قد تكون روح أحد الأجداد ...

        لقد كانت غاية هؤلاء، الوصول إلى الحقيقة الأسمى، أي إلى أكثر مما كان معروفًا لدى العموم، لذلك اتبعوا أنماطًا مختلفة عن عادات ومعتقدات الناس السائدة في حينه، فزهدوا عن العالم، وعاشوا أنماطًا من العزلة، التصوّف والتفكير العميق في الأديان السائدة، والتقاليد الدارجة، فاستطاعوا أن يتقبّلوا إشارات التنوير والتصحيح والتوجيه، التي أرسلها الله لهم بحسب قدرتهم على التقبّل وثقافتهم السائدة في حينه، ليرفعهم إلى مستوى أعلى مما كانوا عليه، بواسطة الذين تاقوا إلى البحث عن الحقيقة، ومنهم: (...تاليس، زرادشت، سقراط، أفلاطون، أرسطو، الإنبياء، بولس، أغسطينوس...) الذين زهدوا بما حولهم، حتى عن الطعام، الذي هو مصدر الحياة الرئيسي لكلّ إنسان وحيوان ونبات. لقد اتبعوا أنواعًا من التقشّف وضبط النفس، فاستطاعوا أن يُدركوا، أنّ الوجود مرتبطٌ بما هو أسمى من الطعام اليومي، أي مرتبط بقدرة أسمى من البشر وتصوراتهم، التي هي الإله الخالق الضابط، الناظم، المدبّر، الحافظ، الراعي لهذا الكون، والمُحترِم لحرية الإنسان.

        إذن، لقد كان التقشّف عن الطعام بالصوم، إحدى الوسائل الضروريّة للوصول إلى الحقائق، التي تتطلّب درجة عالية من رهافة الحس والنفس وصفاء العقل من التعلّق الشديد بماديات الحياة حتى الطعام، عندئذٍ، يستطيع الإنسان، أن يلْحظَ دقائق الأمور ومجرياتها، التي كان يمرّ فيها بدون وعيٍ، لأنّ الجسد ضعيف أمّا الروح فقويٍ.

الصوم حديثًا:

        تُعلّمنا الكتب المقدسة، ضرورة الصوم، وإتباع أوقاته وأصوله، لما فيه من فائدة روحية وجسدية معًا، ضمن برنامج روحيّ (الصلوات وأعمال الرحمة) وغذائيّ (الصوم والقطاعة)، الذي يستطيع فيه الإنسان، أن يضبط جسده، ويشدّد عزيمته أمام وسيلة البقاء الضرورية في الحياة، فلا يصبحُ عبدًا شرهًا للطعام، وذلك وفق مفهوم روحي غايته بناء المجتمع الإنساني، وتوطيد علاقته الصحيحة مع الله الخالق بعيدًا عن التشوهات الفكرية، التي يُعبِّر أصحابها فيها عن آرائهم الشخصية مدّعين أنّهم يملكون الحقيقة؟؟؟

        نعم لقد صام السيد المسيح له المجد، ليعلّمنا أهميّة وضرورة الصوم.

و ما التجارب الثلاث، التي َقبل المسيح أن يتعرّض لها، إلا وسيلة إيضاحٍ لأنواع المخاطر، التي يتعرّض لها البشر، ولكيفيّة التغلّب عليها رغم الضعف البشري. متى4(11:1)

·       الأولى: رفض الاعتماد على الخبز وحده لأجل الحياة.

 " ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله"

·       الثانية: لم يرمِ بنفسه [(من أعلى الهيكل) أي (في التجارب)]

لأنّه رفض أن يضع الله في إطار ضيّق بنظر الآخرين، مجربًا لله ومشكّكًا بقدرته، ورفض أن يرمِيَ الإنسان المحدود بنفسه في التجارب المؤذية بإرادته.

 "لا تجربَنَّ الرّبّ إلهك"

·       الثالثة: عبادة السلطة الدنيوية، لقد غيّر إبليس أساليبه، لكنّ المسيح رفض الصورة المزيّفة الخادعة الخياليّة، ألا وهي السيطرة على العالم.

"للرب إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد"

 

بعض فوائدٌ الصوم:

نرى أنّه من الضروري توضيح بعض فوائد الصوم، من خلال الآتي:

1 – تطابق العمل الروحي مع الجسدي بتآلفٍ وتناغمٍ، لما فيه خير الإنسان، وفق حالة كلّ فرد في مكانه:

·       فالرياضي، يتحضّر جيدًا بالتدريبات المترافقة مع نظام غذائي، قبل المباراة، لتحقيق الفوز بالنجاح.

·       الفنان، يتحضّر أيضًا من خلال تدريباته، والامتناع عن أطعمة وأشربة معيّنة، ليستطيع تحقيق التآلف والتناغم بين الألحان والكلمات.

إنّ الانقطاع عن هذه الأشياء، والتخفيف من لذّة التفنّن، وتذوّق ألوان الطعام، من شأنه، أن يساعد الإنسان على ضبط شهوة الطعام، بدلاُ من أن تقوده دون وعيٍّ منه إلى ما لا يُحمد عقباه من الأمراض الناجمة عن الغذاء غير المنظّم والمبالغ فيه...

طبعًا هذا ما تؤكّده الدراسات الطبية العلمية، الناجمة عن الخبرة القائمة على الحجة القائمة على الدليل والبرهان بالتجربة والاختبار.

صحيح أنّ الطعام مصدر طاقةْ لنا، لا يُمكن الاستغناء عنه، لكن لا يجوز أن يصبح جوهر حياتنا؛ بمعنى آخر نحن نأكل لنعيش، لا نعيش لنأكل.

2 – الصوم هو حياة شراكة مع من يعيشون حولنا في هذا العالم: إنّ الصوم يُشعرني بالجوع، الذي يدلّ على الضعف البشريّ،  ليذكّرني بأنّ هناك أُناسًا آخرين جائعين يعيشون معي في هذا العالم أيضًا، وقد يكونون في معظم الأحيان من أقرب المقرّبين إليه، دون أن أشعر بعوزهم وحاجتهم إلى تأمين الغذاء اليومي. فالشعور بحاجة الآخر على الطعام مثلاً تدفعنا أولاً: إلى عدم الاستهتار أو التبذير أو البذخ في الطعام. ثانيًا: إلى المسارعة بمساعدة المحتاجين الآخرين عمليًا، ماديًا ومعنويًا، وكلاً حسب استطاعته، ذلك لما فيه خير المجتمع، ونمو علاقاته الإنسانية، وتوطيد الروح الجماعية في التعاون بكافة أشكاله وأنواعه، عملاً بالمثل القائل:

  إذا كان جارك بخير فأنت بخير.

        مما يُؤسَف عليه في أيامنا هذه، هو الاستهتار بمصادر الطعام وألوانه، والتأفّف من هذه الوجبة ورميها مع القمامة، بعد أن كان آباؤنا وأجدادنا أكثر حرصًا وتقديرًا منّا للغذاء، ومراعاة لمصادره وحفاظًا عليه للأجيال القادمة(أبناؤنا أحفادنا) فماذا نفعل وكيف نستثمر هذه الموارد حاليًا...؟!!!

3 – الصوم هو ممارسة لسلطان الإنسان على الجسد والكون (حسن الضبط والتدبير):

يُشدّد الصوم العزيمة، ويؤكّد على ممارستنا السلطان الذي أعطَناه الله، حين خلقنا على صورته ومثاله [ الصورة = العقل والإرادة الحرّة. المثال = قدرة الإنسان على عمل الخير كمثلِ الله].

بالصوم نؤكّد على التآلف بين الإنسان المستهلك، البنّاء، المخترع....مع الطبيعة، التي منها كُوّن بالجسد مثل بقيّة المخلوقات، ولكنّه تميّز بالوعي الناجم عن العقل والتفكير اللاغريزي، عِلمًا أنّه يُشارك بقية المخلوقات بحاجته إلى الطعام والشراب والجنس... لكنّه تميّز عنها بقدرته على ضبط هذه الغرائز بالعقل الواعي والمؤمن بالله، لئلا يُشابه الحيوان في غرائزه. إذن، لا يُمكن أن نعيش في حالة مغالبة مع الطبيعة أو استهتارٍ بها، أو استغلالٍ مجحفٍ لها، بل بحسن إدارة ورعاية، لئلا تثور علينا، فلا نستطيع شيئًا أمامها، عندما لا نحترم قوانينها، التي ضبطها الله بقواعد استطاع العلم أن يفهم كمّاً لا بأس به منها، لكنّه ما زال يجهل الكثير والكثير... فعندما نفهمها تُفهِمنا، وعندما نرعاها ترعانا وتُطعِمنا، وعندما نجور عيلها تجور علينا وتُطعِمنابالكيل والكيلين...

طبعًا هذه المقاربة المنطقيّة، هي نتيجة لما وصل إليه العلم من تحذيرات للبشرية من الكوارث الطبيعية، الناجمة عن الإجحاف في التعامل مع الموارد الطبيعية. والهدف هو المحافظة على النظام البيئي في الكرة الأرضية، وحُسن استثمار الموارد الطبيعية، كتطبيق للسلطان المعطى للإنسان (العاقل، الواعي، المفكّر) على الكون، محافظًا عليه وعلى نفسه.

4 – الصوم هو كشفٌ: إنّه استعدادٌ لقبول الكشف عن نعم الله التي فينا(الحرية، الإرادة، الوعي لهما...) من خلال الكشف عن النقص والضعف البشري، الذي يتطلّب طلب المساعدة من الأسمى والأقوى والأكمل، الذي هو الله. مما يعني الرغبة بالسماح لنعم الله المزروعة فينا بالنمو والإثمار من خلال أعمال البرّ والصلاح، أي من خلال العلاقات الإنسانية القائمة على التعاون والمحبة والوفاق والتسامح...

أنّ مصدر حياتنا الأرضيّة الحسيّة هو الطعام، لكنّه لا يكفي وحده. بل لا بدّ من التذكّر بأنّ الله هو الضامن لهذا الوجود كلّه، الذي يحتوي المادة والنبات والحيوان والإنسان، فمن الأفضل للإنسان أن يعيَ هذه الحقيقة.

إنّ كلمة الله ليست لمنعنا أو كبتنا، بل لتساعدنا على التحرّر من أحد قيود الجسد، ومنها موضوع مقالتنا هذه (شهوة الطعام) بغاية ضبط الجسد.

4- نظام الصوم

        رُبّ قائلٍ، أنّ نظام الصوم ليس ضروري، بسبب وجود (الريجيم) أو الضبط الشخصي لنظام الغذاء، أو النحافة الدائمة الطبيعية لبعض الأشخاص؟

 يُمكِن التأكّد من أهمية نظام الصوم، بمراقبة أنظمة غذائية متّبعة في حالات ضرورية، كنظام الغذاء في المشافي بأوقاته المحدّدة والدقيقة، لما فيه من فائدة طبية علمية للمريض. (أنظمة الغذاء العسكري ...)

إذن، كيف يكون الحال بالنسبة لمن ليس مجبرًا على اتباع نظام غذائي معيّن (المريض، العسكريّ، الرياضيّ،  المغني...) أليس له فيه فائدة مضاعفة.

        أعزائي: إنّ الصوم، ليس تصرّفًا مستقلأًّ عن الروح والنظام، الذي يتطلّبه هذا الصوم، بل هو عمل إراديّ، يُفيد في مسيرة اعتيادٍ على أوقات محدّدة للطعام والشراب، وأنواع محدّدة أيضًا من الغذاء، مما يُغني الإنسان عن كثير من الأمراض، وكثير من أنظمة (الريجيم) المضرّة في غالبها، التي يُروّج لها أصحابها في الدعايات التجارية لها بغاية الربح أولاً وأخيرًا (الفائدة خاصة وليست عامة).

فضلاً عن ذلك، فإنّ الله هو إله نظامٍ وترتيب، وليس إله تدمير وتخريب، كما يعتقد أو يفهم البعض خطأً أو جهلاً منهم بطبيعة هذا الإله المُبدع، الذي خلق الكون، ونظّم آلياته وأوقاته بقوانين طبيعية، مازالت العلوم تحاول كشفها، وسبرها، لتستطيع التعامل معها، فكلّما اكتشف العلم شيئًا، أدرك مقدار جهله للكثير منها.

 

 

مع تمنياتي لكم بدوام التوفيق

الشماس أدهم سروات فلوح 

ودمتم مع المسيح